هكذا يباع الوهم للمستهلك في “Black Friday”.. ادفع أكثر تشتري أرخص!

خرج البريطاني “توني” للتسوق بحثًا عن بعض المستلزمات التي يحتاج إليها في دراسته، وعلى رأسها حاسوب محمول جديد يساعده في أعمال المونتاج وضبط الصور التي سيقوم بها في سنته الأولى في كلية الإعلام، وأثناء مروره بأحد متاجر الإلكترونيات استوقفته أسعار الأجهزة المتقدمة والتي تراوحت بين ألفين إلى 3 آلاف جنيه إسترليني  (3890 دولارًا).

بعد لحظات من التفكير، لمح “توني” لافتة كُتب عليها “تخفيض حتى 50% بمناسبة الجمعة السوداء”، فقال في قرارة نفسه إنه ينبغي التحرك على الفور لانتهاز الفرصة التي لن تتكرر للحصول على جهاز متقدم ييسر عليه مهامه الدراسية، ومقابل سعر مقبول.

سريعًا أخرج “توني” بطاقة ائتمانية وهرع إلى المتجر المكتظ بالمشترين، أملًا في اقتناص صفقة رابحة، فتفويت هذه الفرصة يعني أنه سيكون عليه مضاعفة المبلغ لشراء جهازه المنشود، أي ما يتراوح بين 4 آلاف إلى 6 آلاف جنيه إسترليني، لكن على أي حال وبعد انتظار دام لأكثر من ساعتين، أتم الشاب الإنجليزي صفقته بنجاح وخرج حاملًا حاسوبه الجديد ومنتشيًا بتوفيره ما يزيد على ألفي جنيه إسترليني.

في الحقيقة كانت الصفقة رابحة كثيرًا، لكن لجانب واحد فقط وهو المتجر، الذي استفاد مرتين، الأولى من تدافع المشترين للحصول على منتجاته، ما مكنه من تسجيل مبيعات قياسية ربما كان لينتظر أسابيع أو حتى لشهور لتحقيقها، والثانية عندما باع بعض الأجهزة بأكثر من أسعارها الأصلية.

يرجع الأمر برمته إلى عوامل السيكولوجية، بحسب علماء ومراقبين، فجهل المستهلكين بالأسعار المناسبة للمنتجات، يجعلهم يتدافعون على السلع التي يروج بائعوها لأنها مخفضة السعر حتى وإن كان هذا التخفيض غير حقيقي.

ما يجعل الأمر أكثر صخبًا وتدافعًا هي تلك المناسبات مثل “الجمعة السوداء” التي يعتقد المستهلكون أنها فرصة لن تتكرر، بيد أن العديد من التقارير أكدت تلاعبا واسع النطاق في العروض المقدمة في مثل هذه الأوقات.

البداية..

أول استخدام لمصطلح “الجمعة السوداء” كان في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر، وذلك للإشارة إلى انهيار سوق الذهب عام 1869، ثم ارتبط الاسم بالتسوق في اليوم التالي لعيد الشكر والذي يصادف الخميس الرابع من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام.

لكن هناك قصة أخرى تقول إن شركات البيع بالتجزئة في الولايات المتحدة، اعتادت تسجيل خسائرها باللون الأحمر وأرباحها بالأسود عند إعداد الحسابات، وفي أحد الأعوام شهد القطاع خسائر متواصلة على مدار السنة، لكن في الجمعة التالية لعيد الشكر سجل أرباحًا كبيرة مع الإنفاق الكبير للمستهلكين بفضل الخصومات التي أقرها البائعون، بحسب موقع “هيستوري” للتوثيق.

في رواية أخرى، استخدمت شرطة فيلادلفيا مصطلح “الجمعة السوداء” في الخمسينيات الماضية للإشارة إلى اليوم التالي لعيد الشكر، والذي اتسم عادة بالفوضى المرورية مع تدفق جموع المتسوقين والسياح، ومع انعقاد مباراة كرة القدم الكبرى بين فريقي الجيش والبحرية في السبت التالي من كل عام، كان يزداد الأمر سوءًا ويضطر رجال الأمن للعمل ساعات إضافية طويلة في ظروف استثنائية.

على أي حال، مرت عقود على هذه الروايات، والحقيقة الراسخة الآن، أنه في الجمعة التالية لعيد الشكر في الولايات المتحدة، تجري المتاجر وشركات البيع بالتجزئة عروض تخفيض هائلة أملًا في إنعاش خزائنها عبر مبيعات استثنائية، حيث تقدر أعداد المتسوقين في أمريكا فقط خلال هذا اليوم بعشرات الملايين.

وهم

يحتاج قطاع التجزئة لمثل هذه المناسبات بشدة لإنعاش أعماله الآخذة في التراجع أمام الأسواق الإلكترونية، والتي دفعت بالفعل العشرات من سلسلة التجزئة في الولايات المتحدة إلى الإفلاس، مع العلم أنه حتى مواقع التسوق عبر الإنترنت أصبحت تنافس المتاجر العادية في مثل هذه الأحداث.

يرى مراقبون أن نجاح اليوم مبني في الأساس على الصخب وحملات الترويج التي تقودها شركات التجزئة، ويقول “كيلي جيمس” مؤسس “رازر بي شوبينغ” للتسوق الإلكتروني لـ”بزنس إنسايدر”: رغم بعض الفرص التي تمكن المستهلك من توفير الأموال خلال “الجمعة السوداء”، لكن في الحقيقة هذه العروض متوافرة على مدار العام في أماكن كثيرة.

من جانبها قالت صحيفة “وول ستريت” في 2016، إن متاجر التجزئة الكبرى في أمريكا مثل “وول مارت” و”تارجت” و”بست باي” تعيد تقديم نفس العروض بنفس الأسعار كل عام.

فيما قالت شركة تعقب الأسعار “ماركيت تراك” في العام ذاته، إن نسبة 80% من المنتجات التي قدم عليها تخفيض، و43% من الأسعار في منشورات عروض الجمعة السوداء لمتاجر “تارجت” و”وول مارت” و”جيه سي بيني” وغيرها، لم تتغير على مدار عامي 2014 و2015.

في الواقع تبدو عروض الجمعة السوداء رائعة وموفرة للأموال، لكن بالتأمل في تفاصيل هذه العروض، يصاب المستهلك بالإحباط، فعادة ما تتوافر العروض المميزة بكميات محدودة للغاية، وفي بعض الحالات يعني هذا توافر قطعة أو اثنتين من المنتج.

في المملكة المتحدة عام 2016، قال تقرير لشركة “ويتش” المتخصصة في الأبحاث ذات الصلة بالاستهلاك والتجزئة، إن التجار رفعوا أسعار المنتجات قبل “الجمعة السوداء” بشدة لتحفيز المستهلكين على شرائها بعد الخصم.

في العام ذاته كشف مسح أجرته شركة “بيت موري” عن تقديم التجار عروض خصم وهمية في المملكة المتحدة، حيث تبين أن نصف الصفقات الخاضعة للمسح والتي تمت خلال “الجمعة السوداء” كانت إما أغلى من ذي قبل أو أن أسعارها لم تتغير.

“الجمعة السوداء” أصبحت أيضًا مناسبة للتعارك والتدافع الذي يؤدي إلى الموت أحيانًا، ووفقًا لموقع “بلاك فراي داي ديث كونت” فإن سبعة أشخاص قد قتلوا وأصيب 98 آخرون في الولايات المتحدة خلال هذه المناسبة في الفترة من عام 2006 إلى 2014، بسبب التدافع والعراك والنوم أثناء القيادة بعد الانتظار طويلًا أمام المتاجر.

بحسب موقع “ذا كونفرزشن”، أظهرت الأبحاث العلمية، أن الخوف من الندم في المستقبل يؤثر بشكل كبير على عملية صنع القرار، مشيرة إلى أنه غالبًا ما يرتبط الندم على المدى البعيد بالإجراءات التي لم يتخذها الإنسان.

في حالة المستهلكين، قد يتعلق الندم بالإجراءات التي لم يتخذوها وتلك التي اتخذوها أيضًا، ويتوقف ذلك على الذاكرة العاطفية للمستهلكين، ومع ذلك فإن مظاهر التدافع والازدحام خلال الجمعة السوداء تنبع من رغبة الأسر في معايشة تجربة ممتعة وليس لشراء شيء محدد، وفقًا لموقع “ديل نيوز” المتخصص في تعقب مبيعات التجزئة.

النسخ

كما ذكرنا سابقًا، نشأت مناسبة التسوق والتخفيض في جمعة ما بعد عيد الشكر، في الولايات المتحدة، لكنها اكتسبت شهرة كبيرة للغاية في دول أخرى، مع تركيز الإعلام العالمي على التدفقات الهائلة من المستهلكين إلى المتاجر، وهو ما شجع الشركات حول العالم على نسخ التجربة.

في البلدان العربية، بدأت تكتسب المناسبة صخبًا خلال السنوات القليلة الأخيرة، وحاول البعض تسميتها بأسماء أكثر قبولًا مثل “الجمعة البيضاء”، مع التأكيد على استمرار العروض لأيام وليس فقط خلال هذا اليوم، وتبدأ شركات التجزئة الترويج للمناسبة قبل شهر أو أكثر من موعدها.

محاولة تغيير الاسم لم تكن بدعة عربية، ولكن التجار الأمريكيين أيضا حاولوا ذلك قبل عقود، فمنهم من أطلق عليها اسم “الجمعة الكبيرة”، لكن في النهاية ظل الاسم الأصلي هو الأوسع انتشارًا.

اكتسبت “الجمعة البيضاء” شهرة سريًعا واستفاد التجار مع تكدس المتسوقين أمام المتاجر والمراكز التجارية في البلدان العربية خلال هذه المناسبة في العامين الماضيين، حتى أن الأجهزة التنظيمية والرقابية في بعض الدول أصدرت تحذيرات للمستهلكين والشركات على حد سواء من التلاعب في الأسعار والعروض المطروحة.

النسخ لم يكن نهجًا عربيًا خالصًا أيضًا، فعدد من دول العالم طبقت التجربة، وفي بريطانيا على سبيل المثال، جرت العادة أن تكون عطلات رأس السنة هي المناسبة الرئيسية للتسوق والتخفيضات، لكن خلال السنوات الماضية اكتسبت الجمعة الأخيرة من نوفمبر/ تشرين الثاني شعبية واسعة وتفاعل معها التجار بطرح عروض التخفيض.

المقالة تلقي الضوء على هذا الحدث الذي يشهد مبيعات بملايين الولارات تتم في يوم واحد ، والاغلبية تقع في فخ شراء ما لاتحتاجه فقط لان به تخفيضات حصرية. 

بالفعل هناك قلة تعرف كيف تصطاد ما تحتاجه فعلا في هذه المناسبة التي تعرف اكبر نسبة خصومات. 

كما ان هناك منتجات غير مشهورة تستغل المناسبة و تضع تخفضيات وهمية.