من ريادة اقتصادية ونفطية إلى الأمة الأكثر بؤسًا في العالم!

ما كان ذات مرة بمثابة العمود الفقري لواحدة من أمم أمريكا اللاتينية الأكثر ازدهارًا، لم يعد الآن سوى مجموعة من المشاريع المتهالكة المتهدمة وبقايا من البنية التحتية المغلقة ومساحات فارغة مغلقة. بدأت ازمة اقتصاد فنزويلا بانهيار أسعار النفط إلى إنهيار سعر العملة المحلية وغلاء المواد الأساسية إلى عجر توفيرها وندرتها في السوق واندلاع أزمة الغداء وتراكم الديون..  لتتصدر قائمة أكثر اقتصادات العالم بؤساً.

إن عمال النفط في فنزويلا الذين تمتعوا قبل سنوات بأفضل الامتيازات بين موظفي القطاعين العام والخاص في البلاد، يتحملون الآن العبء الأكبر لانزلاق الدولة إلى غياهب التضخم المفرط والبؤس الاقتصادي، ولم تعد قيمة رواتبهم في الوقت الحالي تساوي إلا حفنة دولارات بحسب تقرير “سي إن إن موني”.

شاهد على الازدهار.. شاهد على الانهيار

– كانت بلدة “بونتا دي ماتا” الصغيرة في شمال شرق البلاد، في ولاية موناغاس، هي قلب صناعة النفط الفنزويلية، والآن هي شاهد على أزمة الأمة.

– يقول “خوسيه لويس راميريز” وهو أحد مشغلي المنصات في مشروع مشترك بين مؤسسة النفط الوطنية الصينية “سي.إن.بي.سي” وشركة النفط الحكومية الفنزويلية “بي.دي.في.إس.إيه”: عندما بدأنا العمل في 2005، كانت هناك آبار عدة تعمل، والآن نادرًا ما تجد خمس أو ست آبار نشطة في البلدة.

– بينما تحدث “راميريز” عن نضاله اليومي لمواصلة باقي الشهر في مقابلة مع “سي إن إن موني”، تخوف معظم زملائه من الوقوع في مشاكل أو فقدان وظائفهم إذا ما تحدثوا، لذا آثروا الصمت.

– يضيف “راميريز”: علينا أن نبيع سراويلنا للعيش، حتى الأحذية والقفازات في كل مرة نتسلمها كل بضعة أشهر، نضطر لبيعها من أجل شراء الطعام.

– يشير أحد العاملين (لم يرغب في الكشف عن هويته) إلى أن راتبه كان في الماضي أكثر من كاف لإطعام أطفاله الخمسة، والاستمتاع بالإنفاق على ما هو أكثر من الاحتياجات الأساسية، أما الآن فيقول: أحيانًا أبكي وحدي، لأنني لا أستطيع أن أمنح أبنائي ما يطلبونه.

– في فنزويلا حاليًا، عادة ما تحتاج أسرة بهذا العدد إلى ما يقرب من 30 مليون بوليفار شهريًا، كي تستطيع العيش، وفقًا للمجموعات المعنية بشؤون المستهلك، أما دخل عامل النفط فلا يتجاوز 2.5 مليون بوليفار.

ملامح المعاناة

– يمكن لعدد محدود من الكيانات فقط الالتزام بسعر الصرف الذي حددته الدولة، لكن معظم الصرافات تستند إلى سعر الدولار في السوق السوداء، وهو أمر غير قانوني لكن شائع في جميع أنحاء البلاد الآن.

– في بداية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بلغ سعر الدولار الواحد 50 ألف بوليفار في السوق السوداء، واليوم يتراوح بين 650 ألفًا و 800 ألف بوليفار، ورغم أن الحكومة زادت مرارًا وتكرارًا الحد الأدنى للأجور، فشلت في تغطية التضخم، ما أدى إلى ارتفاع مستمر في أسعار الغذاء وانهيار قيم المرتبات.

– كي يتمكن من تغطية بعض احتياجاته، يعمل عامل النفط كسائق أجرة في الشوارع شبه المهجورة في بونتا دي ماتا، وهي الوظيفة التي أصبح يعتمد عليها بشكل متزايد لتحسين دخله، وبصفته سائق تاكسي يحدد أجرته وفقًا للتضخم فيما يظل راتبه من شركة النفط دون تغير.

– كانت شركة النفط الفنزويلية، المصدر الرئيسي للدخل الأجنبي للحكومة، حيث بلغت أرباحها مليارات الدولارات مع وصول سعر النفط الخام إلى أكثر من 100 دولار للبرميل قبل سنوات.

– الآن، بالكاد تستطيع الشركة مواصلة العمل، وهي مجبرة على استيراد الخام الخفيف من الولايات المتحدة لتخفيف النفط الثقيل الذي تستخرجه في فنزويلا، علمًا بأن إنتاجها تراجع على مدار الـ25 شهرًا الماضية.

أزمة لم يخلفها حتى المحتل

– تنتج فنزويلا الآن ما يقرب من نصف المستوى الذي سجلته في أواخر التسعينيات، مع اعتلاء الرئيس الراحل “هوجو تشافيز” سدة الحكم في البلاد وإطلاقه ما يعرف بـ”الثورة البوليفارية”.

– يقول “خوسيه بوداس” وهو زعيم نقابي للعاملين في مصفاة النفط التابعة لـ”بي.دي.في.إس.إيه” في بويرتو لا كروز، إن قدرات شركة النفط الوطنية ضعفت مع نقص الاسثمار وقلة عمليات الصيانة منذ سنوات، والآن الأزمة تتعمق كل يوم.

– يضيف “بوداس”: القدرة الإنتاجية للمصفاة هي 187 ألف برميل يوميًا، لكن الإنتاج الفعلي يصل إلى 30 ألف برميل فقط، وأعتقد أن المنتجات المصدرة من مصفاة بويرتو لا كروز تحتاج لإعادة التكرير في المصافي الأخرى قبل جاهزيتها للاستخدام.

– الأرقام تعكس عمق المأساة التي تعيشها فنزويلا وتتجاوز حجم ما قد ينجم عن حرب أهلية أو غزو أجنبي كما حدث في العراق عندما انخفض إنتاج البلاد إلى الصفر في مارس/ آذار وأبريل/ نيسان 2003 بعد الاحتلال الأمريكي، لكن بحلول يناير/ كانون الثاني 2004 ارتفع مجددًا إلى مستويات ما قبل الحرب.

– المشاكل المادية ليست كل شيء، هناك مخاوف أخرى تشغل بال المواطنين، إذ يقول عامل النفط (الذي يعمل كسائق تاكسي أيضًا): يحمل المجرمون السلاح، وأعتقد أنهم أفضل تسليحًا من الحكومة ذاتها، كل ما يجدونه يأخذونه، ولا أحد يتصدى لهم، لأنهم يعملون في مجموعات كبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.