تطبيق “احلق لي شكراً” .. فكرة بمليون دولار

كثيرون هم من يحلمون بامتلاك شركاتهم الخاصة. وهؤلاء غالباً لا يحبون العمل لدى أحد، ويرغبون في أن يصبحوا رؤساء أنفسهم. غير أن غالبيتهم أكثر جبناً من أن يتخذوا خطوة كهذه إما بسبب ما يكتنفها من مخاطر أو بسبب جهلهم بكيفية سير الأمور في عالم الشركات الريادية أو الـ”Startup”.

بعضنا يعتقد خطأً أن المهارات التي يتمتع بها رواد الأعمال الناجحون الذين يشار إليهم بالبنان هذه الأيام فطرية وليست مكتسبة. غير أن هذا قطعاً اعتقاد غير صحيح ولا يجب أن يصدقه أحد.

أنت لست بحاجة لأن تكون عالم صواريخ كي تبدأ مشروعك التجاري الناجح. ويجب أن تستوعب حقيقة أنه يمكنك بكل بساطة اكتساب كل المعرفة والمهارات اللازمة لتحويل فكرتك إلى مشروع تجاري يوفر لك ولأسرتك مصدر دخل دائم.

من فكرة إلى مشروع تجاري حقيقي

التقرير الذي تقرأه الآن هو الأول ضمن سلسلة تضم عدة تقارير سنتناول خلالها كل ما يخص الـ”المشاريع الريادية” بهدف مساعدة أي شخص سئم من مديره ومن العمل لحساب آخرين على تطوير العقلية والمهارات اللازمة لتحويل فكرته إلى مشروع تجاري حقيقي.

وسنبدأ بالخطوة الأولى وهي “الفكرة”. حيث سنساعدك على تطوير فكرة أي مشروع لديك وتقييمها بأمانة وبطريقة علمية بعيداً عن أية أوهام أو تحيزات قبل أن تضع فيها أموالك أو أموال غيرك. وهذه ربما واحدة من أصعب المهام التي يحتاج رائد الأعمال لإنجازها.

نستطيع أن نجزم أن كثيرين ممن يقرأون هذا التقرير لديهم بالفعل في أذهانهم أفكار محددة لمشاريع تجارية. ولكن بغض النظر عن تقييمهم لها ومدى روعتها، عليهم أن يتمتعوا بالمرونة الكافية لتعديل أو تغيير هذه الأفكار ولو قليلاً.

فكرتك قد تكون رائعة بالفعل، ولكن لا بد من اختبارها على أرض الواقع. لذلك سنقدم لك بعض الأدوات التي بإمكانها مساعدتك على إخراج هذه الفكرة من خيالك إلى أيدي العملاء المحتملين.

لا يوجد أكثر من الأفكار

هناك حقيقة مهمة تحتاج كرائد أعمال لإدراكها سواء كنت تمتلك فكرة مشروع بالفعل أو لا تزال تبحث عن واحدة وهي أن المشاريع التجارية الناجحة هي تلك التي تقدم منتجا أو خدمة تلبي احتياجا معينا للعملاء.

ببساطة، مهمتك في نهاية المطاف هي إرضاء العميل. أنت مثلاً قد تذهب وتصمم آلة زراعية جديدة ومبتكرة، ولكن إذا لم تلب هذه الآلة احتياجات أو رغبات “عدد كبير” من المزارعين نضمن لك فشل مشروعك مهما كانت فكرتك رائعة.

“لا تستثمر وقتك ومجهودك وأموالك إلا في فكرة لمنتج أو خدمة يريدها أو يحتاج إليها العملاء” .. ولكن رغم بساطة وبديهية هذا المنطق إلا أن الكثير من الشركات الناشئة تعاني بسبب فشل مؤسسيها في التصرف وفقاً لهذا المبدأ. انظر إلى ما قاله المخترع الأمريكي الشهير “توماس إديسون”: “أي شيء لا يباع، لن أخترعه”.

لا يُعلم حقيقة ما إذا كان “إديسون” هو أول من اخترع المصباح أو لا، فهذا شيء يصعب التحقق منه. غير أن الثابت هو أنه كان أول من قام بتصميم وتسويق المصباح وبيعه للناس.

هذا يقودنا للنقطة التالية: البعض يعتقد خطأً أنه لكي يبدأ مشروعه الخاص يجب أن تكون لديه فكرة لشيء مبتكر وجديد تماماً، غير أنهم يفشلون في إدراك أن الأمر لا يتعلق بكون الفكرة مبتكرة أو لا بقدر ما يتعلق باستعداد العملاء المحتملين لشراء المنتج أو الخدمة.

أنت لست بحاجة لمنتج بثورية “الترانزستور” مثلاً كي تبدأ به مشروعك الخاص. من الممكن جداً أن تلتقط طرف الخيط من منتج أو خدمة موجودة بالفعل ولها زبائن.

حاول مثلاً التفكير في جميع المنتجات والخدمات التي تستخدمها في حياتك اليومية العادية. هل هناك ذلك المنتج الذي حدثت نفسك عنه ذات مرة قائلاً “كم أتمنى لو أن ذلك المنتج يفعل كذا أو يوفر تلك الخاصية”.

يمكنك بناء مشروع تجاري ناجح حول منتج أو خدمة موجودة بالفعل إذا كان بإمكانك تنفيذ واحد أو أكثر من الشروط التالية:

  1. بناء منتج يحتوي على مميزات أكثر من المنتج الحالي.
  2. تصميم منتج يوفر ما يوفره منتج آخر ولكن بسعر أقل.
  3. منتج أكثر جودة وأطول عمراً.
  4. تقديم منتج أو خدمة يسهل على العميل استخدامها أو الحصول عليها.

الكثير من الشركات الناشئة تقوم فكرتها على تحسين منتجات أو خدمات موجودة بالفعل. كل ما يحتاجه رائد الأعمال هو عين فاحصة وحدس تجاري يمكنه من رؤية المنتج أو الخدمة الموجودة من منظور جديد.

أسواق جاهزة .. من يستغلها؟

هناك ما يسمى “الطلب غير الملبى” ويعني أن الموردين الحاليين لمنتج أو الخدمة لا يمكنهم تقديم ما يكفي لتلبية احتياجات جميع العملاء المحتملين. وفي هذه الحالة لن تحتاج لبذل الكثير من الجهد في التحقق من احتياجات العملاء لأنك تعرف بالفعل أن العملاء يريدون بالفعل المنتج أو الخدمة التي تنوي تقديمها.

أحد الأمثلة على ذلك هو الخبز الطازج. من منا لا يحب الخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن؟ الخبز بالتأكيد ليس منتجاً جديداً. ولكن لنفترض أن هناك مدينة ما لا يوجد بها ما يكفي من المخابز القادرة على تلبية احتياجات جميع العملاء. هذه تمثل فرصة تجارية رائعة.

لكن لحظة! ما رأيك لو أنك بدلاً من أن تقوم بمطابقة نموذج العمل الخاص بالمخابز الأخرى، قمت بإجراء تعديل بسيط لنموذجك الخاص؟ لماذا لا تقوم بتوصيل الخبز الطازج للعملاء؟ وبدلاً من ذهاب العملاء إلى المخبز بأنفسهم لشراء الخبز الطازج، تجلبه أنت إليهم.

حينها لن تكون قد استفدت فقط من الطلب غير الملبى بل أضفت أيضاً قيمة للمنتج من خلال ربطه بميزة أخرى. أنت للتو ميزت نفسك عن كل المخابز الأخرى التي سيصبح من الصعب عليها التنافس معك، وخصوصاً إذا أخذت الفكرة إلى مستوى أعلى وبدلاً من توصيل الخبز فقط تقوم بتوصيل أنواع أخرى من المخبوزات.

ولماذا نذهب بعيداً. في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول انطلقت أعمال إحدى الشركات الناشئة في مصر التي تدور فكرتها حول تطبيق جوال هدفه توفير الاحتياجات اليومية للعملاء من الفاكهة والخضراوات الطازجة من خلال نقلها من المزارع إلى المنازل.

هل الفاكهة والخضراوات منتجات جديدة؟ قطعاً لا. إذن ما الفكرة؟ الفكرة هي أن القائمين على هذا التطبيق أدركوا أن هناك ما يشتكي منه العملاء وحاولوا علاجه من خلال هذا التطبيق. بعضنا على سبيل المثال قد لا يجد وقتاً للذهاب إلى السوبر ماركت، وإذا ذهب قد لا يجد كل ما يحتاجه وإذا وجده قد لا يكون طازجاً. ماذا لو جاء أحدهم وعرض عليك حلاً لتلك المشاكل، هل ستستخدمه؟

حلاق في منزلك

لكن ماذا لو كانت الفكرة التي لديك تتمحور حول خدمة وليست لمنتج. هناك الكثير من الخدمات التي قد يضطر العملاء المحتاجون لها إلى الذهاب وربما السفر إليها لكي يحصلوا عليها.

على سبيل هناك أناس – وهم كثيرون بالمناسبة – يكرهون فكرة الذهاب إلى صالونات الحلاقة لحلاقة شعرهم، لأسباب كثيرة من بينها على سبيل المثال لا الحصر اضطرارهم إلى الانتظار لفترات طويلة والمبالغة في الأسعار.

الآن، لنفترض مثلاً أن أحدهم قام بتصميم تطبيق سماه “احلق لي شكراً” تقوم فكرته على جمع كل الحلاقين الموجودين في المملكة في مكان واحد ليصبح بإمكان كل من يرغب في الحلاقة طلب أقرب حلاق متاح ليأتي إلى منزله، ثم الدفع له عبر التطبيق دون أن يضطر إلى الذهاب إلى أي مكان.

من الممكن أيضاً أن يشمل هذا التطبيق إمكانية تقييم الحلاق. فإذا أتم الحلاق المهمة بنجاح دون أن يصيب الجالس تحت يديه بجروح أو إصابات فربما يعطيه 5 نجوم مثلاً. وهذه بالمناسبة نقطة مهمة جداً لأنها ستسهل على العميل اختيار أفضل خيار ممكن. من منا قد يطلب حلاقاً تقييمه نجمة أو نجمتين إلى منزله؟

هذا التطبيق الذي تتشابه فكرته تقريباً مع فكرة تطبيق “أوبر” حل لنا مشكلتين: الأولى هي مشكلة الاضطرار إلى الذهاب إلى صالونات الحلاقة والانتظار بها لفترات طويلة، والثانية هي الأسعار المبالغ فيها التي يطلبها بعض الحلاقين. الآن تخيل عدد العملاء المحتملين الذين قد تسعدهم هذه الخدمة.

كل المشاريع التجارية الناجحة بدأت بفكرة. لكن الأفكار التي بنيت عليها هذه المشاريع لم تكن كاملة من اللحظة الأولى. ببساطة، أنت لست في حاجة لفكرة كاملة ومثالية لكي تبدأ، لأن فكرتك مهما كانت درجة اكتمالها ستتغير مع الوقت تبعاً لتعليقات وملاحظات العملاء. يجب أن تتقبل هذه الحقيقة، لأنك إذا اعتقدت في أي لحظة أنك تعرف كل شيء عن عملائك واحتياجاتهم فلن يطول الوقت قبل أن تصطدم بالحائط.

هذه المرحلة تسمى مرحلة “صنع الفكرة” وأخطر ما يمكن أن يقوم به رائد الأعمال في هذه المرحلة هو اعتقاده أنه يفهم احتياجات العميل أكثر من العميل نفسه. فمهما كانت وجهة نظرك ومهما كانت الأسس المنطقية الداعمة لها يجب أن تدرك الشخص الوحيد الذي يعرف ما هو الأفضل للعميل هو العميل نفسه. لذلك انصت إليه جيداً.

الطريق ليس سهلاً

إذا سألت مثلاً 40 شخصاً عن رأيهم في فكرة المنتج أو الخدمة التي تخطط لها، ربما تحصل منهم على 40 تعليقاً مختلفاً. هذه التعليقات ليست كلها بالضرورة ذات قيمة، وربما يجب عليك تجاهل بعضها وإلا وقعت في الفخ التالي:

البعض يحاول صنع منتج يناسب الجميع، غير أن هذه مخاطرة كبيرة جداً لأنه من المحتمل جداً ألا يثير هذا المنتج اهتمام أي مجموعة محددة من المستهلكين. يجب أن تركز على شريحة معينة من المستهلكين وتصمم منتجاً يلبي احتياجات هذه المجموعة تحديداً.

محاولتك إرضاء الجميع وتلبية احتياجات شرائح مختلفة من العملاء في منتج واحد ستفقد المنتج هويته كما ستصيبك بالذعر حين تجد نفسك محاصراً بكم هائل من الاحتياجات التي تحاول تلبيتها. لا تقع في هذا الفخ.

ما سبق يثير سؤالا مهما جداً وهو: ما مواصفات المنتج أو الخدمة الممتازة؟ الأمر بسيط جداً، المنتج أو الخدمة الممتازة هي تلك التي تفعل واحداً من شيئين: إما زيادة متعة العميل بجعله يشعر بالسعادة وإما تقليل معاناته من خلال حل مشكلة له.

أي فكرة من الأفكار التي تقوم عليها كل المشاريع الناجحة الموجودة على ظهر الأرض مهما كانت بسيطة أو معقدة تندرج في النهاية تحت واحد من التصنيفين السابقين.

إذا كنت تقرأ هذه الجملة فأنت على الأغلب واحد من أولئك الذين خطرت على أذهانهم يوماً فكرة أن يصبحوا رؤساء أنفسهم. وربما لا تزال تحاول تخيل كيف سيكون الأمر حين تصبح رجل أعمال، وربما تحمست كثيراً الآن، لكن…

يجب أن تدرك جيداً أن تحولك إلى رجل أعمال لا يضمن لك السعادة أو الأمان المالي. تأسيس وإدارة الشركات الناشئة عادة ما يكون عملا مرهقا جداً ورحلة قد تضطر لخوضها بمفردك. ويجب أن نقول لك: أثناء قيامك بهذا العمل ستأتي عليك أوقات تشك خلالها في قدرتك على بيع المنتج أو الخدمة أو العثور عملاء مهتمين بشرائه.

نحن هنا بالتأكيد لا نحاول أن نثنيك عن البدء في التفكير في تأسيس شركتك الخاصة. كل ما في الأمر هو أننا ننبهك إلى أن الأمر صعب جداً ومرهق، وأي شخص يخبرك بخلاف ذلك إما مخادع أو لم يجرب بنفسه. ولكن بمجرد أن تعرف كيف تشق طريقك في البداية ستصبح المشاكل التي ستواجهها مجرد مغامرات في رحلة مثيرة.

وبالمناسبة قبل أن ننسى، فكرة تطبيق “احلق لي شكراً” كانت لمجرد توضيح المفهوم وتحمسك لها من عدمه هو مسؤوليتك الخاصة.

* المصدر: أرقام الاقتصادية.