المستثمر المخيف بول سينجر .. عنوان الاستثمار في مآسي الغير

* تم تحديث المقالة : 02/02/2019 على الساعة 11:39 مساءً

“أنا لست هنا للتفاوض .. إما أن تقوم حكومة بيرو بدفع القيمة الكاملة للسندات التي اشتريناها منها أو سنمضي قدماً في مقاضاتها.” وردت العبارة السابقة على لسان الملياردير الأمريكي “بول سينجر” خلال جلسة استماع عقدتها محكمة أمريكية أثناء نظرها دعوى قضائية رفعت من جانبه ضد البلد الإنديزي الفقير قبل 20 عاماً.

كان هذا التصريح بمثابة إقرار جريء من “سينجر” ويعد اعترافاً منه بتكتيكاته غير النظيفة، وهي النقطة التي ارتكز عليها قرار القاضي الفيدرالي الأمريكي “روبرت سويت” برفض الدعوى المرفوعة من قبل “سينجر” ضد بيرو في عام 1998، مشيراً إلى أن صندوق التحوط المملوك لـ”سينجر” انتهك قانون ولاية نيويورك الذي يمنع شراء الديون لا لأي غرض سوى رفع دعاوى قضائية ضد مُصدرها.

ولكن هذه لم تكن سوى مجرد جولة من جولات أحد الصراعات التي خاضها الملياردير الأمريكي ضد العديد من الدول التي تعاني من صعوبات مالية (غالباً ما يكون السبب سوء إدارة الحكومة لمواردها المالية) والتي اشترى ديونها السيادية بخصم كبير على قيمتها الاسمية، قبل أن يقوم بمقاضاتها مطالباً إياها بدفع القيمة الكاملة للسندات، رافضاً إعادة الهيكلة أو أي حلول وسط أخرى.




وفي هذا التقرير سنحكي من البداية قصة “سينجر” الذي وصفته رئيسة الأرجنتين السابقة بالإرهابي مصاص الدماء، والذي يعتبره البعض أيضاً “المستثمر الأكثر إثارة للخوف في العالم”، في حين يرى العديد من مستثمري الأسواق الناشئة أن أسلوبه عديم الضمير يسيء لسمعتهم وسمعة المجال بالكامل. كما سنسرد بقية قصته مع بيرو التي لم تنته بالتأكيد عند هذه النقطة.

الاستثمار في مآسي الغير

في عام 1977 أسس “سينجر” صندوق التحوط “إليوت مانجمينت” برأس مال قدره 1.3 مليون دولار. ولكن على عكس غيره من كبار المستثمرين لم يكن مهتماً بما يسمى “استثمار القيمة” وهو شراء الأسهم المقيمة بأقل من قيمتها الجوهرية والاحتفاظ بها حتى يرتفع سعرها.

لم يكن “سينجر” يوماً ما من المهتمين بأسهم الشركات الناجحة المعروفة التي صنعت ثروات العديد من كبار المستثمرين مثل “آبل” و”أمازون” و”بيبسي”، حيث ركز منذ البداية على الاستثمار في سندات الشركات المتعثرة مالياً والتي تباع عادة مقابل خصم كبير على قيمتها الاسمية، قبل أن يقوم بجرها إلى المحاكم وإجبارها على سداد كامل القيمة الاسمية بالإضافة إلى الفوائد أو إعلان إفلاسها.

استثمر صندوق “سينجر” في ديون العشرات من الشركات المتعثرة، من بينها شركة الطيران الأمريكية “ترانس ورلد إيرلاينز” والبنك الذي أفلس”ليمان برازرز” وشركة الكازينوهات “سيزرز إنترتينميت”. وبرع “سينجر” فعلاً في هذا المجال بسبب قدرته الحادة على تمييز نقاط ضعف خصومه.


ظل “سينجر” يلعب في السوق بهذه الطريقة إلى أن قابل رجلا يدعى ” جاي نيومان” – والذي أصبح لاحقاً بمثابة ذراعه اليمنى – في عام 1995. كان “نيومان” متخصصاً في الديون الحكومية أو السيادية للبلدان النامية، ومثل “سينجر” لم يكن لديه أي مشكلة في كسب المال بطرق قد يراها آخرون مقيتة أو غير أخلاقية.

في ذلك الوقت، اقترضت العديد من البلدان ولا سيما البلدان الفقيرة ذات الاقتصادات الهشة أو الحكومات الفاسدة أكثر بكثير مما تستطيع سداده بشكل واقعي. وخلال الربع الأخير من القرن العشرين عجزت ما يقرب من 50 دولة عن سداد ديونها، بما في ذلك المكسيك وبولندا والفلبين وفيتنام وجنوب إفريقيا.

امتلك “نيومان” شركة تسمى “ووتر ستريت بانك آند تراست” والتي كانت تستثمر بشكل رئيسي في الديون السيادية لبولندا والإكوادور وساحل العاج وبنما والكونغو.

وقد قامت برفع دعاوى قضائية ضد كل هذه الدول. لكن عندما طلب القاضي الذي نظر القضية المرفوعة ضد بنما أسماء المستثمرين الرئيسيين في الشركة، رفض “نيومان” الكشف عنها ليتم إغلاق الشركة. وفي عام 1995 ذهب “نيومان” للعمل مع “سينجر”.

أراد “نيومان” أن يعمل مع شخص لا يشعر بالإحراج من هذا النهج الاستثماري، ووجد غايته في “سينجر” الذي أقنعه بأن الأزمات المالية التي تمر بها هذه البلدان من الممكن أن تمثل فرصا استثمارية رائعة. والخطة ببساطة كانت كالتالي: شراء الديون السيادية لهذه الدول بخصم كبير على قيمتها الاسمية ثم مطالبة هذه الدول بدفع القيمة الكاملة لهذه السندات، وفي حال رفضها – وهذا عادة ما يحدث – يتم جرها إلى المحاكم، ورفض أي محاولة لإعادة هيكلة هذه الديون.



“سينجر” الذي لم يكن حتى هذه اللحظة قد استثمر في أي ديون سيادية، اقتنع باقتراح “نيومان” وقام بتوظيفه في الصندوق براتب شهري قدره 30 ألف دولار، بالإضافة إلى 20% من أرباح الاستثمارات التي سيوصي بها. وكانت أول مغامرة لهما مع الديون السيادية لدولة بيرو.

الضحية الأولى .. كيف دفعت مرغمة؟

في عام 1996، قامت حكومة بيرو بالاتفاق مع 90% من حاملي ديونها التي تخلفت عن سدادها في عام 1984 على مبادلة تلك الديون بأخرى جديدة، سيتم بيعها لهم بخصم يقترب من 50% على قيمتها الاسمية. وقام صندوق “إليوت مانجمينت” بشراء سندات قيمتها الاسمية تبلغ 20 مليون دولار مقابل 11.4 مليون دولار فقط.

بمجرد أن قام بشرائها، بدأ “سينجر” معركة قانونية طويلة لإجبار حكومة بيرو على تسديد القيمة الكاملة لحيازاته من سنداتها السيادية. وفي عام 1998، وصلت القضية إلى المحكمة الفيدرالية بمانهاتن في ولاية نيويورك.

لكن هيئة الدفاع الخاصة بحكومة “بيرو” نجحت في إقناع القاضي الأمريكي بأن صندوق “إليوت مانجمينت” الذي يديره “سينجر” لم يشتر هذه السندات بغرض الاستثمار، وكانت هناك نية مبيتة لدى إدارته برفع دعاوى قضائية ضد بلدهم بغرض إجبارهم على الدفع أو إعلان الإفلاس.

حين قام القاضي بفحص ماضي ذراع “سينجر” اليمنى “جاي نيومان” اكتشف أن لديه تاريخا طويلا من المعارك القضائية التي رفعها ضد دول كان قد قام بشراء ديونها السيادية، وأنه خلال كل هذه المعارك كان يرفض أي حل وسط أو أي عملية إعادة هيكلة، وهو ما ينتهك قانون “تشامبرتي”.

تم رفض الدعوى المرفوعة من قبل سينجر، وقالت المحكمة في حيثيات الحكم: “إن صندوق إليوت اشترى الديون بنية وغرض مقاضاة حكومة بيرو .. وإن هذه النية يمكن اكتشافها من خلال النظر إلى استراتيجية الاستثمار الخاصة بالصندوق وتاريخ القائمين على إدارته.”

لكن لم يستسلم “سينجر” وقام بالاستئناف ضد الحكم. وفي عام 2000 ألغت محكمة الاستئناف الحكم السابق مشيرة إلى أن قانون “تشامبرتي” لا ينطبق على هذه القضية. وهكذا وجدت حكومة بيرو نفسها مضطرة للدفع لـ”سينجر” أو إعلان إفلاسها.

أجبر “سينجر” بيرو على الدفع في الحال بعد أن قام برفع دعوى قضائية أخرى ضدها في بروكسل بغرض منعها من دفع ولو كان دولارا واحدا إلى أي من حاملي سنداتها قبل أن تقوم بسداد مديونيتها له، وهي الخطوة التي هددت بمنع وصول بيرو إلى أسواق رأس المال الدولية والحيلولة دون اقتراضها للمال.

ولهذا قامت بيرو مجبرة بدفع ما يمكن وصفها بالفدية والتي بلغت حوالي 58 مليون دولار (القيمة الاسمية بالإضافة إلى الفوائد) إلى “سينجر” عن السندات التي كان اشتراها منها قبل 4 أعوام فقط مقابل 11.4 مليون دولار، ليحقق الملياردير الأمريكي ربحاً يزيد على 400% على استثماره الأصلي.

على حساب من؟ .. أرباح قدرها 1270%!

شكل الانتصار الذي حققه “سينجر” على دولة بيرو سابقة عالمية كان لها تداعيات كبيرة. فلأول مرة شاهد العالم كيف يمكن لمستثمر أجنبي غني أن يتحكم في مصير بلد بالكامل وفي قدرته على اقتراض الأموال.

بعد نجاح استراتيجيته الاستثمارية مع الديون السيادية لدولة بيرو، قرر “سينجر” الدخول في رهان أكبر بكثير وشراء 600 مليون دولار من الديون السيادية للأرجنتين التي كانت تمر بأزمة اقتصادية حادة مقابل 100 مليون دولار فقط.

لكن بسبب السمعة السيئة التي جناها خلال صراعه مع بيرو، تعمد “سينجر” إخفاء هويته حين حاول شراء ديون الأرجنتين في بداية الألفية الثالثة، لأنه توقع أن اسم صندوقه سيثير خوف مسؤولي الحكومة الأرجنتينية وقد يتسبب في إثارة الجماهير، وهو ما سيحول دون شرائه لتلك السندات.

في عملية تمويه معقدة قام “سينجر” بشراء السندات الأرجنتينية من خلال شركة تابعة لصندوقه تسمى “إن إم إل كابيتال ليميتد”. وفي ذلك الوقت لم يكتشف أحد هوية أصحاب هذه الشركة حيث لم يكن الاسم مألوفاً. ولمدة اقتربت من عام ونصف العام ظلت هوية “سينجر” متخفية.

لكن بحلول عام 2005، شك محامو الحكومة الأرجنتينية في القضية المرفوعة ضدها من قبل “إن إم إل” أن “سينجر” هو من يقف وراء هذه القضية، نظراً لأن الحجج القانونية المساقة ضد الأرجنتين هي نفسها التي تم استخدامها مع بيرو قبل سنوات.

في إحدى جلسات الاستماع التي تم عقدها على هامش هذه القضية قام محامو الحكومة الأرجنتينية بذكر اسم صندوق التحوط الأمريكي لأول مرة في القضية، وهو ما أغضب محامي “سينجر”. رغب الأرجنتينيون في استغلال السمعة السيئة التي يحظى بها الصندوق ومديره لصالحهم في القضية.

في خضم الصراع الذي شرحناه بالتفصيل في تقرير نشرناه قبل ما يقرب من عام ونصف العام، حاول “سينجر” الاستيلاء على احتياطيات البنك المركزي الأرجنتيني وأصول صندوق المعاشات الحكومية ومحطة لإطلاق الأقمار الاصطناعية في ولاية كاليفورنيا مملوكة للحكومة الأرجنتينية. وهكذا أصبح “سينجر” أكثر رجل في العالم يكرهه الأرجنتينيون.

ولكن في نهاية المعركة القانونية التي استمرت لما يقرب من 14 عاماً انتصر “سينجر” على الأرجنتين، وأجبرها على سداد ما يقرب من 2.4 مليار دولار عن السندات التي لم يدفع فيها أكثر من 100 مليون دولار، محققاً ربحاً يقترب من 1270%.

كلنا لدينا فقراء!

اتبع “سينجر” نفس الاستراتيجية مع جمهورية الكونغو، وهي دولة فقيرة دمرتها الحرب الأهلية في أواخر التسعينيات، ولا يزال نصف سكانها يفتقرون إلى مياه الشرب النظيفة، على الرغم من أن البلاد تنتج حوالي 260 ألف برميل من النفط يومياً.

في أواخر التسعينيات اشترى صندوق “إليوت” 30 مليون دولار من الديون السيادية للكونغو بخصم كبير على قيمتها الاسمية من خلال شركة تابعة له تسمى “كنسينجتون إنترناشيونال” تتخذ من جزر كايمان مقراً لها.

سرعان ما قامت “كنسينجتون” برفع ما لا يقل عن 15 دعوى قضائية منفصلة ضد الحكومة الكونغولية وشركائها التجاريين في أماكن مختلفة حول العالم مطالبة بمصادرة أصولها.

وفي سابقة تاريخية، ألزمت المحكمة العليا في المملكة المتحدة شركة “جلينكور” – أكبر متداول للسلع في العالم – بدفع 39 مليون دولار وهو ثمن شحنتي نفط كانت قد استوردتهما من  الكونغو إلى “سينجر” بدلاً من الحكومة الكونغولية.

لسوء حظ الشعب الكونغولي، اجتمع عليه فساد حكامه وجشع المستثمرين الأجانب. ففي خلال الصراعات القضائية الدائرة بين “سينجر” والحكومة الكونغولية اكتشف الفساد المالي لعدد كبار من رجال الدولة – الذين كان في مقدمتهم رئيس الدولة وأسرته – بعد أن فضحتهم فواتير فنادق نيويورك الضخمة وجولات التسوق الأوروبية.

صراع “سينجر” مع الكونغو التي تعاني من واحدة من أكبر أزمات نقص الغذاء في العالم لا يزال مستمراً، حيث إنه لا يزال يسعى لإجبارها على سداد حوالي 375 مليون دولار، وهو كم كبير من الأموال يمكنه أن يحدث فارقاً كبيراً في حياة الآلاف من الشعب الكونغولي.

لكن ربما يكون من الإنصاف عرض وجهة نظر “سينجر” الذي يتهمه كثيرون بأنه بلا قلب ويتربح على حساب أفقر الناس في العالم.

يقول “سينجر” في معرض دفاعه عن نفسه وعن أضرار نهجه الاستثماري التي تطال مواطني الدول المستدينة:” إن الفقراء في البلدان النامية فقراء لأن الأنظمة السياسية والاقتصادية في بلادهم قد خذلتهم”. أما تعليقه الأكثر طرافة والذي سنختم به هذا التقرير هو قوله: “كل دول العالم لديها فقراء، حتى الولايات المتحدة يوجد بها فقراء.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.