الفرنسيون الأكثر حماساً في أوروبا لزيادة «ضرائب الإنترنت والمعلومات»

جدل داخل الاتحاد ومخاوف من انتقام أميركي

أعلنت فرنسا أنها بصدد إنجاز قانون يفرض ضريبة إضافية على شركات الإنترنت وتقنية المعلومات الأميركية، لا سيما «غوغل» و«آبل» و«فيسبوك» و«أمازون»، وذلك بنسبة 3 إلى 5 في المائة من حجم أعمال تلك الشركات في فرنسا. والمبادرة الفرنسية هذه تأتي بعد تعثر تقدم مشروع أوروبي في هذا المجال.

وأكدت مصادر وزارة المال الفرنسية أن تلك الشركات، واستناداً إلى عملية التفاف، لا تدفع ضريبة في فرنسا إلا بنسبة 9 في المائة من أرباحها المعلنة محلياً، بينما هناك أرباح وفيرة تتحقق في فرنسا وتسجل خارجها لأن الخدمات رقمية عابرة للحدود.

وتلك النسبة ضئيلة مقارنة بتلك التي يفرضها القانون الفرنسي، والبالغة في متوسطها العام 23 في المائة.

والمشروع الفرنسي يقضي بشمول كل الشركات العاملة في هذا القطاع اعتباراً من حجم أعمال سنوي يبلغ 750 مليون يورو وما فوق على المستوى الدولي، و25 مليونا وما فوق على الأراضي الفرنسية، مما يعني أن هذه الضريبة لا تستهدف الشركات الأميركية الكبيرة وحسب، بل كل شركات الإنترنت وتقنية المعلومات بما فيها الفرنسية والأوروبية وغيرها، لأن القانون الضريبي الفرنسي لا يسمح باستهداف شركات بعينها، لذا وضعت «عتبة» من حيث حجم الأعمال حتى تشمل الضرائب أكبر عدد ممكن من الشركات نسبياً.

ويذكر أن هذا المشروع مستوحى من مشروع فرنسي ألماني أعلن في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لكن تعثر التقدم فيه بالنظر إلى التردد الألماني في هذا المجال. ويفترض أن تخضع للضريبة الشركات المستفيدة من إعلانات الإنترنت والتي تبيع خدمات عبر الحدود وتلك التي تلعب دور الوسيط. وذكر مصدر في المفوضية الأوروبية أن الضريبة ستشمل 120 إلى 150 شركة حول العالم، 50 في المائة منها أميركية، و30 في المائة أوروبية، والباقي معظمه آسيوي لا سيما من الصين. ولا يشمل القانون الفرنسي – إذا أقر بصيغته الحالية – إلا أقل من 10 شركات فرنسية وفقاً للمعايير التي وضعت.

وأضافت المصادر الأوروبية المعنية بمتابعة هذا الملف أنه أمام ضغط الرأي العام، وبعدما وضعت بريطانيا مشروعها الخاص بفرض ضريبة على هذا القطاع، فإن الفرنسيين وجدوا أنفسهم مطالبين بالإسراع في هذا الاتجاه، علماً بأن شركات الإنترنت وتقنية المعلومات الفرنسية تعارض بشدة وتعتبر الضريبة كابحاً لأعمالها الناشئة، وتفقدها التنافسية أمام الشركات العالمية الأخرى لا سيما الأميركية والصينية منها.

وقال مصدر من تلك الشركات إن منطلق وزارة المالية الفرنسية «آيديولوجي» وليس ضريبياً، لأن الدافعين لإقرار الضريبة يسكنهم هاجس الشركات الأميركية الكبيرة وكيف أنها ناجحة وتتوسع وتسيطر. وأضاف: «إن الساعي لفرض ضريبة على حجم الأعمال ينسى أن كثيراً من الشركات الناشئة تحقق أعمالاً وإيرادات لكنها لم تدخل دائرة الربح بعد، وفرض ضريبة عليها يعاقبها قبل أن تنجح، ويكبح توسعها ويخفف رغبتها في التوظيف والتطوير».

في المقابل، أكدت وزارة المالية الفرنسية أنها ماضية قدماً في هذا السبيل الضريبي، «إذ لا يعقل أن تدفع الشركات الأميركية الكبيرة ضرائب أقل بـ14 نقطة مئوية مما تدفع الشركات الصغيرة والمتوسطة، فبالنسبة المئوية تدفع المكتبات والمخابز أكثر من الشركات الأميركية»، كما أكد مصدر في الوزارة.

وفي الإحصاءات ولغة الأرقام، فإن حجم أعمال «غوغل» في فرنسا بلغ 325 مليون يورو في 2017. و«آبل» حققت 790 مليوناً، و«فيسبوك» 56 مليوناً، و«أمازون» 380 مليوناً، بينما لم تدفع تلك الشركات مجتمعة ضرائب في فرنسا إلا بواقع 43 مليون يورو.

أما في حال طبق القانون الجديد، فإن الحصيلة ترتفع بنسبة 50 في المائة على الأقل. كما أن الحكومة الفرنسية ترفع شعار العدالة الضريبية لجهة عدم الاستمرار في التمييز بين الشركات من حيث الإيراد الضريبي منها، وهي الآن بأمس الحاجة إلى الإيرادات بعد تفاقم حالة الاحتجاج الشعبي على الوضع المعيشي المتردي بالنسبة لشرائح واسعة من العمال والموظفين والمزارعين وأصحاب الحرف والمتقاعدين.

ومع الإجراءات التي أعلنها الرئيس إيمانويل ماكرون لرفع القدرة الشرائية، والتي ستكلف الحكومة 10 مليارات يورو سنوياً، تزداد الحاجة إلى فرض ضرائب جديدة خصوصاً على الشركات لإرضاء الشارع أيضاً. في المقابل، ترى مصادر أخرى أن ما ستحققه الضريبة الجديدة لا يساوي شيئاً أمام ما أعلنه ماكرون، وأن هذه الضريبة لها آثار جانبية سلبية تفوق إيجابياتها المالية بكثير، لأن المتوقع منها لا يتجاوز الـ150 مليون يورو فقط، علماً بأن وزارة المالية تتوقع 500 مليون يورو سنوياً.

وسيعرض القانون على مجلس الوزراء ثم على البرلمان الشهر المقبل، لكن المصادر المتابعة تستبعد الإقرار السريع لأن دراسات الأثر الحقيقي، المالي وغير المالي، لم تنجز بعد، ويستمر التجاذب حول الجدوى الاقتصادية فضلاً عن تحذيرات من آثار جانبية تدفع ثمنها الشركات الفرنسية العاملة في هذا القطاع.

إلى ذلك، هناك الخلاف الأوروبي حول هذه القضية، فالحماس الضريبي الفرنسي يقابله الأوروبيون ببرودة، لكن الفرنسيين يعولون على الألمان بالدرجة الأولى للمضي قدماً في ضريبة طال انتظارها، لأن الحديث عنها عمره 3 سنوات على الأقل. والأوروبيون الأكثر معارضة لهذه الضريبة هم الآيرلنديون والدنماركيون والسويديون إلى جانب حكومة لوكسمبورغ، لأن هذه الدول تستفيد من تمركز الشركات الأميركية فيها لتقدم خدمات على المستوى الأوروبي والعالمي منها.

فآيرلندا بفضل نسب الضرائب القليلة فيها تستقطب المقار الإقليمية لتلك الشركات لا سيما الأميركية، مع ما يعني ذلك من آلاف الوظائف المصاحبة. أما دول شمال أوروبا وخصوصاً الإسكندنافية فلا تجد في هذه الضريبة أي حاصل يستحق المعاناة بالنظر إلى صغر حجم الأعمال المراد فرض ضريبة عليها. في المقابل هناك قبول لفرض تلك الضرائب في إسبانيا والنمسا وبريطانيا. على صعيد متصل، يخشى أوروبيون من ردة فعل انتقامية يرتكبها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إذا فرضت ضرائب باهظة على شركات الإنترنت وتقنية المعلومات الأميركية، وهو ما لا يتردد عن فعله عندما يريد عادة، بدليل مناطحته الشرسة للصينيين حالياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.