إعادة التدوير.. مفتاح البشرية لعالم أنظف وفاعلية إنتاجية وتكلفة أقل

في عالم الأعمال الذي تحكمه متغيرات مثل الاحتباس الحراري والمسؤولية المجتمعية والتحول نحو الطاقة والبيئة النظيفتين، أصبحت إعادة التدوير مهمة أساسية ليس فقط للحكومات ولكن حتى للقطاع الخاص، الذي تخصصت بعض شركاته في هذا الدور للاستفادة من فرصه المتنامية، فيما ركز آخرون مثل “آبل” على الانتفاع بمكونات منتجاتهم القديمة، بحسب تقرير لـ”الإيكونوميست”.

مصطلح “إعادة التدوير” ليس مستحدثًا وتعود أصوله إلى عشرينيات القرن الماضي، لكن الإنسان مارس النشاط نفسه منذ زمن بعيد، ومع تنوع المواد التي أفرزها الاقتصاد الحديث، تزايدت محاولات إعادة توظيف قدر أكبر منها.

منافع للجميع




محبو الاقتصاد الدائري يميلون للإعجاب بأعمال إعادة التدوير التي تستهدف المواد العضوية مثل الحبوب والشعير، والتي تخفض الأثر الاقتصادي على البيئة مرتين عبر تقليل استهلاك الموارد الطبيعية والحد من النفايات في الوقت نفسه، فمثل هذه العمليات تخلص الناس من عبء كانوا ليدفعوا مقابل إبعاده، ومن ثم تحوله إلى شيء يرغب آخرون في شرائه.

ثمار جهود إعادة التدوير كانت عظيمة، وفي معظم البلدان الغنية يتم توفير ثلث حاجة الأسواق من الزجاج وثلثي حاجتها من الورق عبر المواد المعاد تدويرها، وفي أمريكا الشمالية تأتي نصف مبيعات الألومنيوم كل عام من الخردة، فالولايات المتحدة وحدها تنتج خردة من الحديد والصلب يوميًا تعادل حجم برج إيفل 25 مرة.

النحاس المعاد تدويره يلبي خُمسي الطلب العالمي على المعدن، وهناك أسباب للاعتقاد بأن قوى السوق ستقود تطورات مماثلة في موارد أخرى، ويبدو أن الأجهزة الإلكترونية والكهربائية جاهزة لحصاد منافع هذه التغيرات، ومع ذلك يظل البلاستيك هو المشكلة الأكبر إذ يتم تدوير 10% فقط من منتجاته.

– يقول الرئيس التنفيذي لشركة “تير رسيكل” “توم سزاكي” إن كل شيء تقريبًا يمكن إعادة تدويره تقريبًا، وليس فقط الأكياس البلاستيكية أو المنسوجات كما يعتقد الكثيرون خطأ.

– ابتكرت “تير رسيكل” طريقة لتحويل فلاتر السجائر المصنوعة من بوليمر “أسيتات السليولوز” إلى ألواح بلاستيكية متينة، وفي أبريل/ نيسان بدأت شركة هولندية بيع أحذية رياضية صنعت نعالها من بقايا العلكات الملقاة في شوارع أمستردام.

– النداء البيئي أصبح جزءًا أصيلًا من العلامة التجارية، فالبعض على استعداد لإنفاق مبالغ أكبر مقابل اقتناء تلك المنتجات التي ترضي ضمائرهم، وبشكل عام فإن الاعتبارات البيئية تحظى بإعجاب القاعدة الأوسع من المستهلكين.

عقبات في الطريق

– تتنافس المواد المعاد تدويرها مع المواد الخام، لذلك فإن شركات إعادة التدوير لا تزال رهينة أسعار المواد الخام المتقلبة، وتعتمد تكاليف إعادة التدوير على حجم النفقات التي تحتاجها عمليات الجمع والتوزيع وتجهيز الخردة، التي تميل إلى الاستقرار عادة.





– أسعار السلع التي تحدد الثمن النهائي لمخرجات إعادة التدوير قد تتأرجح، وعلى سبيل المثال عندما تنخفض فجأة لا يمكن المواد المعاد تدويرها أن تشكل منافسة معها، وهو خطر يهدد بدفع بعض اللاعبين في هذه الصناعة إلى الخروج.

– عدم اليقين هو قضية أخرى تثبط الاستثمارات طويلة الأجل، ما يترك معظم شركات إعادة التدوير دون فرص توسعية لتظل صغيرة وغير فعالة، وهذا بدوره يقيد توريد المواد المعاد تدويرها، ما يشكل عائقا رئيسيا أمام القطاع، فالمصنعون الكبار يريدون إمدادات ثابتة من هذه المواد.

– إن منتجات مثل الزجاج والورق والعديد من المعادن كسرت هذه الحلقة المفرغة، بفضل استهلاك الاقتصادات الكثير منها للدرجة التي تجعلها جديرة باهتمام صناعة إعادة التدوير.

– تقنيات المعالجة وإعادة التدوير قائمة منذ فترة طويلة، لكن توفير المزيد من المواد الأساسية يعزز الكفاءة، وهذا بدوره يحفز الطلب على المنتجات المعاد تدويرها ويشجع التحسينات في الصناعة، أو بمعنى آخر يحول الحلقة المفرغة من الانكماش إلى حلقة أخرى من الفاعلية والنمو.

قدرات هائلة

– قال باحثون في جامعة الأمم المتحدة في طوكيو العام الماضي إن العالم يتخلص سنويًا من 45 مليون طن من الثلاجات وأجهزة الراديو والجوالات الذكية القديمة، والتي تحتوي على ما قيمته 55 مليار دولار من الذهب والفضة وغيرها من المواد الأولية الثمينة.

– وفقًا لبحث أجرته جامعة تسينغ- هوا الصينية وجامعة ماكواري الأسترالية، فإن تكاليف إعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية التي يتم التخلص منها المعروفة باسم “النفايات الإلكترونية” بهدف استخراج كيلوجرام من الذهب يبلغ ألفي دولار في الصين، في حين يتكلف استخراج هذه الكمية من الأرض نحو 40 ألف دولار.

– ما زالت صناعة إعادة التدوير تتفوق على شركات التنقيب في مسألة التكلفة حتى مع استبعاد دعم الحكومة الصينية الممنوح لها والبالغ 13 دولارًا لجهاز التلفزيون.

– هذه الحقائق تفسر سبب تعاظم حجم صناعة إعادة تدوير النفايات الإلكترونية الأمريكية من ما دون مليار دولار عام 2002 إلى أكثر من 20 مليار دولار في عام 2016، وكذلك سبب النمو المتواصل لمعدل تدوير هذه المنتجات الذي بلغ 20%.

– التركيز لا ينصب فقط على استخراج المواد الثمينة، وهناك تقدم ملحوظ في مجال تدوير فضلات الطعام وحطام المباني، وعلى سبيل المثال، فإن عملية الهضم اللاهوائي التي يتم خلالها تحلل المادة العضوية بواسطة الميكروبات في غياب الأكسجين، تنتج غازات حيوية يمكن حرقها للحصول على الطاقة أو الحرارة.

– في عام 2009، ارتفع عدد مصانع الغاز الحيوي في أوروبا من 6 آلاف إلى 17.7 ألف، توفر التدفئة للمنازل عن طريق قشر الموز وغيره من المخلفات العضوية، وتوفر حاليًا 2% فقط من الكهرباء في الاتحاد الأوروبي، لكن يبدو أن هذه النسبة ستنمو مع تزايد الحكومات التي تسعى لمعالجة مشكلة تراكم بقايا الغذاء وتشجيع التحول نحو الطاقة المتجددة.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.