in

الأصول غير الملموسة.. هل تهيمن على الاقتصادات في المستقبل؟

رغم أوجه القصور التي سقط فيها الشيوعيون وعلماء الاجتماع المتخصصون في التنبؤ بالمستقبل، تظل رؤية “كارل ماركس” و”فريدريك إنجلز” بشأن الاقتصادات والمجتمعات المتغيرة باستمرار، ملائمة تمامًا كما كانت قبل 169 عامًا، مع بعض التحذيرات.

أما معظم المفاهيم التقليدية للرأسمالية فتركزت في الأشياء المادية، مثل العقارات والآلات والسلع، لكن الشركات في أوائل القرن الحادي والعشرين أصبحت لديها طريقة مختلفة للعمل، على غرار “أوبر” و”إيباي” و”إير بي إن بي”، بحسب “الجارديان”.

رأسمالية المنصة




أحدثت “إير بي إن بي” ثورة في سوق النُزل السكنية دون امتلاكها أي عقار، وتعد شركة “علي بابا” الصينية أكبر متجر تجزئة على الإنترنت في العالم دون امتلاكها أي مخزون من السلع.

وينطبق مثال “علي بابا” تقريبًا على خدمة التسوق الحديثة “إيباي”، وعلى صعيد آخر استطاعت شركة مثل “أوبر” إعادة تشكيل سوق النقل الشخصي في العالم دون امتلاكها أي سيارة.

هذه الطرق الغريبة المعروفة باسم “رأسمالية المنصة”، هي نموذج بدأ طريقه في السبعينيات الماضية تجاه الوضع الحالي المنطقي، فما يصنع الفارق بين الفائزين والخاسرين ليس الأشياء المادية، وإنما تلك السلع من أفكار ومعرفة وبرمجيات.

توصل الاقتصادي “جوناثان هاسكل” وباحث الابتكار “ستيان ويستليك” إلى أن حصة البنود غير الملموسة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة تجاوزت نسبة البنود الملموسة في منتصف التسعينيات، وهي بصدد بلوغ نقطة تحول في بريطانيا.

يقول الرجلان في كتابهما “رأسمالية دون رأسمال”: في بلدان أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا، لا يزال الاستثمار في النماذج والأعمال القديمة متقدمًا، لكن جميع المؤشرات تؤكد بشكل واضح الاتجاه في المستقبل نحو الأصول غير الملموسة.



نماذج معقدة لكن مهيمنة

تخالف الوسائل الجديدة العديد من القوانين والتوقعات الاقتصادية المعتادة، فالأصول المادية يمكن شراؤها وبيعها وتقييمها بسهولة، لكن الأصول غير الملموسة تبني كيانات أكثر صعوبة وتعقيدًا.

على سبيل المثال، تستثمر “تويوتا” الملايين من الدولارات في أنظمة الإنتاج الخالية من الهدر، وهذا نوع من الأصول التي يصعب فصلها عن الأعمال الرئيسية أو حتى بيعها بطريقة أو بأخرى.

انتشار الابتكارات الناجمة عن الأصول غير الملموسة يتجاوز غالبًا نوايا مخترعيها، وتميل هي للتكامل مع بعضها بشكل غير متوقع، مثلما كان “آيبود” نتاجا لامتزاج بروتوكول “إم بي ثري” والقرص الصلب ومهارت “آبل” في التصميم.

بفضل تحررها من الحاجة لمخزون ثابت من الآلات، يمكن لإبداعات الأصول غير الملموسة الانتشار سريعًا والهيمنة في مجالها، وهو السبب وراء تعاظم مكانة “أوبر”، وأن تصبح “فيسبوك” شقًا أساسيًا في حياة ربع سكان الأرض.

لا تهيمن الأصول غير الملموسة على عالم الأعمال فحسب، بل على حياة البشر اليومية، بدءًا من الاستماع إلى الموسيقى وقراءة الكتب، فالحاجة للأشياء المادية المركزية آخذة في التضاؤل.



إلى من ينتمي المستقبل؟

يرى “هاسكل” و”ويستليك” أن المستقبل ينتمي إلى أولئك الذي ينجحون في العالم غير الملموس الذي لا يمكن التنبؤ به، ولا يتوقفون عن التكيف مع كل جديد في شتى المجالات.

بقول آخر، يبدو المستقبل أكثر إشراقًا بالنسبة لمن يجمعون بين المهارات التحليلية والمهارات الناعمة اللازمة للقيام بدور وسيط العلاقات داخل وخارج شركاتهم.

العالم القديم بات يمثله مقصف في إحدى الشركات، اكتظ بالعمال الذين يحاولون تناول الطعام بسرعة قبل العودة إلى خط الإنتاج، فيما يتمثل الواقع الجديد بمقهى مليء بالأشخاص الذين يمارسون عملهم دون أن يلحظ أحد.

توسيع مفهوم الأصول غير الملموسة لتتجاوز الأصول وتشمل المسائل الثقافية يزعج الكثير من المجتمعات الغربية، التي يفضل بعضها العالم القديم الذي يشمل الأماكن والمهنة والأسرة، بخلاف من يتمنون اللحاق بركب الاقتصاد الحديث.

يقول البيان الشيوعي الذي صاغه “ماركس” و”إنجلز” إن تاريخ كل مجتمع قائم حتى الآن، هو تاريخ من صراع الطبقات، وهو ما يبدو عليه المستقبل في ظل وجود رأسمالية بلا رأسمال.


اضغط للاطلاع على تعليقات الزوار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.