الملاذات الآمنة ليست دائما مكانا آمنا

عندما أطلقت كوريا الشمالية صواريخ فوق اليابان في الأشهر الأخيرة، اشترت سوق العملات الين بسرعة. مثل هذا السلوك المنحرف في الظاهر جعل المحللين يفسرون للمستثمرين أساسيات ذلك اللغز الغريب المتعلق بالعملات الأجنبية؛ العملة الملاذ.

يقول ديريك هالبيني، الخبير الاستراتيجي في العملات لدى MUFG: “لا يفهم العملاء ذلك”. مفهوم أن يسعى المستثمرون للحصول على أصول ذات جودة عالية في أوقات الأزمات هو مفهوم قديم قدم الذهب الذي هو أكثر الملاذات الملموسة. حتى البتكوين، تلك الإضافة الأحدث لمشهد العملات، يحظى وفقا لبعض أنصاره المتحمسين بميزات الملاذ.

مع مرور الوقت هيمنت بعض العملات الكبيرة على السوق لتحتل مكانة الملاذ. وأصبح أمثال الدولار والين واليورو والفرنك السويسري والعملات الاسكندنافية والجنيه الاسترليني ملاذات من الأسواق المتراجعة.

ما يجعل المستثمرين يفضلون إحداها لتكون عملة ملاذ بدلا من الأخرى هو موضوع يثير جدلا بين الباحثين الأكاديميين والمحللين، وغالبا ما يدور الخلاف حول ما إذا كانت العملة تتخذ سلوك عملة الملاذ أنها انعكاس لتداولات المناقلة.

في ظروف السوق الحميدة وفترات التقلبات المنخفضة تأتي تداولات المناقلة بشكل تلقائي. هذه الأنواع من التداولات تشتمل على اقتراض المستثمرين بعملات ذات عائدات منخفضة لتمويل عمليات الشراء بعملات مرتفعة العائدات من أجل التربح من الفرق. وأثر تداولات المناقلة باستخدام الين يظهر في إضعاف العملة، لكن العكس ينطبق عندما تتفكك تداولات المناقلة – ترتفع قيمة الين.

لذلك هل يتسبب إطلاق صاروخ فوق اليابان في ارتفاع الين لأنه عملة ملاذ، أم لأن تداولات المناقلة سلكت مسارا عكسيا؟

الافتراضات المتعلقة بعملات الملاذ الآمن محفوفة بالمخاطر. مثلا، الدولار في الأعوام 2007-2016 كان ثاني أكثر عملات الملاذ اتساقا، بعد الين، أثناء الفترات “الخالية من المخاطر” – عندما يتسبب الخطر المالي المتصور في أن يواجه المستثمرون مخاطر أقل – بحسب ما يدعي باحثو “جولدمان ساكس”.

لكن وفقا لـ “بانك أوف أمريكا ميريل لينتش”، لم يكن سلوك الدولار مشابها لعملة ملاذ على مدى ثلاث سنوات، حيث أظهر ميلا نحو الانخفاض وليس الارتفاع خلال فترات كانت السوق فيها خالية من أية مخاطر.

وتتزامن الفترة التي أعقبت عام 2014 مع نهاية برنامج التسهيل الكمي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وظهوره لدى البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان “بالتالي كان الاستخدام الأكبر لليورو والين في تمويل تداولات المناقلة”.

هل ينبغي اعتبار الدولار عملة ملاذ على الإطلاق؟ تقول جين فولي، من رابوبانك، إن العملة الآمنة تحتاج إلى سيولة قوية، ونظام قانوني يحظى باحترام كبير، وميزانية في وضع قوي، وفائض في الحساب الجاري.

الفائض يعني تراكم الأصول في مختلف أنحاء العالم، ما يجعل تلك الأصول جاهزة للعودة. يقول ديفيد بلوم، من “إتش إس بي سي”: “في أوقات التوتر، يكون المفهوم العام هو إعادة المال للوطن. هذا هو الملاذ”.

حجم الأصول الدولية لدى اليابان يعني أنه حتى عندما تؤثر لحظات التوتر على البلاد بشكل مباشر، تتراجع مكانتها الآمنة. في الأيام الخمسة التالية لزلزال وطوفان (سونامي) ضربا اليابان عام 2011، قفز الين بنسبة تقارب 8 في المائة. يقول هالبيني: “المحفظة الهائلة والدخل الذي تحققه يعنيان أن هناك طلبا على الأموال بأن تعود للوطن”.

في المقابل، تعاني الولايات المتحدة عجزا في الحساب الجاري. ربما تكون سندات الخزانة الأمريكية أصولا آمنة، بحسب فولي، لكن الدولار فقد الحظوة خلال معظم عام 2017. تقول: “أنا من كبار المتشككين في الأمر”.

الفائض في الحساب الجاري ليس ضمانا لوجود عملة آمنة. مثلا، النرويج لديها فائض، لكنها لا تملك السيولة لإرضاء المستثمرين. ولا حتى العملات الاسكندنافية الأخرى ذات الفائض في الحساب الجاري، وهي الكرونة الدنماركية والكرونة السويدية.

يقول بلوم: “سيسألون أنفسهم: ’هل أحاول أن أحشر مالي في مجال ضيق؟‘ لا تملك النرويج هيكل السيولة”.
لدى الفرنك السويسري السيولة الكافية لتبديد الشكوك المتعلقة بمكانته ملاذا آمن. وقد كان العملة الآمنة المختارة خلال فترة الأزمة المالية وأزمة الديون اليونانية. لكن العملات الآمنة لا تدوم إلى الأبد. إذ تعترض سبيلها عوامل أخرى خلافا للسيولة والفائض. مثلا، يعمل تهديد البنك الوطني السويسري التدخل في السوق لإضعاف الفرنك السويسري على تقويض جاذبيته عملة آمنة.

حدوث أزمة مفاجئة يغري المستثمرين حتما بالبحث، دون تدبر، عن ملاذات آمنة لأموالهم ويتوجهون بالتالي نحو العملات الآمنة المجربة والموثوقة. يقول بلوم: “يمكن أن تكون السوق مهيأة إلى حد كبير للاعتقاد أن الفرنك السويسري والين هما عملتان آمنتان في كل الظروف، لكنهما ليستا كذلك”.

في مثل هذه الظروف التي تتراكم فيها السوق في أصل من الأصول الآمنة، يغلب أن يحدث رد فعل ثانوي بعد أن يراجع المستثمرون أنفسهم، كما يقول بلوم.

هذا يعني أن البحث عن الملاذات الآمنة يمكن في الأغلب ألا يدوم طويلا. صعود الين استجابة لإطلاق الصواريخ الكورية الشمالية تبعته بسرعة عودة إلى الوراء.

حين يكون لدى الناس شك، كما يقول بلوم، هناك دائما ملاذ يستطيع المستثمرون الاعتماد عليه. حين يكون الناس في شك من عملة الملاذ الآمن “يشترون الذهب”.

* نقلا عن صحيفة الاقتصادية

تطبيق اسرار المال لتحميل تطبيق أسرار المال أندرويد : اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الشراكة التجارية.. مزاياها وعيوبها؟ ومتى ينصح بها؟ وكيف تختار الشريك المناسب؟

تيد ويليامز.. من مُتشرِّد باحث عن فرصة أخيرة إلى عالم الشهرة و النجومية